القاضي التنوخي

389

الفرج بعد الشدة

أباها يسوءه أن يسير معها ، ويمنعه ذلك ، فوقف ينظر إليها ويبكي ، حتى غابوا عن عينيه ، فكرّ راجعا ، فنظر إلى أثر خفّ بعيرها ، فأكبّ عليه يقبّله ، ورجع يقبّل موضع مجلسها ، وأثر قدميها ، فليم على ذلك ، وعنّفه قومه في تقبيل التراب ، فقال : وما أحببت أرضكم ولكن * أقبّل إثر من وطئ الترابا لقد لاقيت من كلفي بلبنى * بلاء ما أسيغ له شرابا إذا نادى المنادي باسم لبنى * عييت فما أطيق له جوابا « 15 » ثم ذكر أبو الفرج قطعا من شعر قيس ، وأخبارا من أخباره منشورة ، بأسانيد مفردة على الإسناد الذي رويته عنه ههنا ، ثم رجع إلى مواضع من الحديث الذي جمع فيه من أسانيده ، وأتى بسياقة يطول عليّ أن أذكرها في كتابي هذا ، جملتها عظيم ما لحق قيس من التململ ، والسهر ، والحزن ، والأسفار ، والبكاء العظيم ، والجزع المفرط ، وإلصاق خدّه بالأرض على آثارها ، وخروجه في أثرها ، وشمّ رائحتها ، وعتابه نفسه في طاعة أبيه على طلاقها . ثم اعتلّ علّة أشرف منها على الموت ، فجمع له أبوه فتيات الحيّ يعلّلنه ، ويحدّثنه ، طمعا في أن يسلو عن لبنى ، ويعلق بواحدة منهنّ ، فيزوّجه منها ، فلم يفعل ، وقصّة له مع طبيب أحضر له ، وقطع شعر كثيرة لقيس في [ 316 غ ] خلال ذلك [ 257 م ] . ثم إنّ أبا لبنى شكا قيسا إلى معاوية بن أبي سفيان ، وذكر تعرّضه لها بعد الطلاق . فكتب معاوية إلى مروان بن الحكم بهدر دمه إن تعرّض لها ، فكتب مروان بذلك إلى صاحب الماء .

--> ( 15 ) هذا البيت زيد من الأغاني 9 / 186 .